علي أصغر مرواريد

130

الينابيع الفقهية

فإن قيل : كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر على المؤمن ؟ قلنا : قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير فلا يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن ، كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصدا إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله أن منه جر منفعة وإحسان إلى عدو الله وتنفيقا لصناعته ، وإذا ثبت ذلك فتمنيهم الشهادة إنما هو بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا لا بقتل المشركين لهم وإرادتهم ذلك . باب المهادنة : وقوله تعالى : إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم . الهدنة والمعاهدة واحدة ، وهي وضع القتال وترك الحرب إلى مدة من غير عوض ، وذلك جائز لقوله تعالى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ، وقد صالح النبي ص قريشا بالحديبية على ترك القتال عشر سنين ، فإذا ثبت جوازه فإن كان في الهدنة مصلحة للمسلمين ونظر لهم في أن يرجو الإمام منهم الدخول في الاسلام أو بذل الجزية فعل ذلك ، وإذا لم يكن للمسلمين مصلحة بأن يكون العدو ضعيفا قليلا وإذا ترك قتالهم اشتدت شوكتهم وقووا فلا تجوز الهدنة لأن فيها ضررا على المسلمين . وإذا هادنهم في الموضع الذي يجوز فيجوز أن يهادنهم أربعة أشهر بنص القرآن وهو قوله : فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، ولا يجوز إلى زيادة عليها بلا خلاف لقوله تعالى : فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ، فاقتضى ذلك قتلهم بكل حال ، وخرج قدر الأربعة الأشهر بدليل الآية الأولى وبقي ما عداه على عمومه ، هذا إذا كان الإمام مستظهرا على المشركين ، فإن كانوا هم مستظهرين لقوتهم وضعف المسلمين - أو كان العدو بالبعد منهم وفي قصدهم التزام مؤمن كثيرة - فيجوز أن يهادنهم إلى عشر سنين لأن النبي ص هادن قريشا إلى عشر سنين ثم نقضوها هم من قبل نفوسهم .